الشيخ محمد هادي معرفة
64
تلخيص التمهيد
ثم أخذ في بيان وجه هذا الإعجاز وسرّه الكامن وراء جمال لفظه وروعة بيانه ، قال : والكلام بالطبع يتركّب من ثلاثة : حروف هي من الأصوات ، وكلمات هي من الحروف ، وجمل هي من الكلم . وقد رأينا سرّ الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلّها . ولهذا النظم طريقة خاصّة اتّبعها القرآن الكريم كانت غريبة على العرب وفي نفس الوقت رائعة تستأنس إليها النفوس . إنّ طريقة النظم التي اتّسقت بها ألفاظ القرآن وتألّفت لها حروف هذه الألفاظ إنّما هي طريقة يتوخّى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب ، ولكنّها ظهرت فيه أوّل شيء على لسان النّبيّ صلى الله عليه وآله ، فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن ، ولا تلوي من دونه حجاب القلب ، حتّى لم يكن لمن سمعه بدّ من الاسترسال إليه والتوفّر على الإصغاء ، لا يستمهله أمر من دونه وإن كان أمر العادة ، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة ، فإنّه إنّما يسمع ضرباً خالصاً من ( الموسيقى اللغويّة ) في انسجامه واطّراد نسقه واتّزانه على أجزاء النفس مقطعاً مقطعاً ونبرةً نبرةً كأنّها توقعه توقيعاً ولا تتلوه تلاوة ! وهذا نوع من التأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء إلّاالجمل القليلة التي إنّما تكون روعتها وصيغتها وأوزان توقيعها من اضطراب النفس الحاصل في بعض مقامات الحماسة أو الفخر أو الغزل أو نحوها فتنتزي بكلام تلفظه العاطفة أحياناً . وليس يخفى أنّ مادّة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي ، وأنّ هذا الانفعال بطبيعته إنّما هو سبب في تنويع الصوت ، بما يخرجه فيه مدّاً أو غنّةً أو ليناً أو شدّةً ، وبما يهيّء له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها . ثمّ هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع ، أو الإطناب والبسط ، بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبُعد المدى ونحوها ، ممّا هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى . وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتيّ في اللغة ، وأثرها طبيعيّ في كلّ نفس ، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كلّ نفس تفهمه ، وكلّ نفس لا تفهمه ، ثمّ لا يجد من النفوس على أيّ حال إلّاالإقرار والاستجابة . وممّا انفرد به القرآن على سائر الكلام أنّه لا يخلق على كثرة الردّ وطول التكرار ، ولا